أدريانو - نصب تذكاري في عالم كرة القدم





ربما تفصح صورة عشوائية ملتقطة للاعب ما عن الكثير من التفاصيل التي لا تفصح عنها كرة القدم مثل طريقة حياته بعيداً عن عالم الكرة أو كيفية ردة الفعل عندما تسوء الأمور ومع ذلك يبقى ملعب كرة القدم مكان يصعب فيه إخفاء المشاعر، فبعض اللاعبين المتميزين قد يستغرق الأمر معهم فقط سلسلة من المباريات لترى ما تخفيه شخصية هذا اللاعب لكن بالنسبة لأدريانو ليتي روبيرو والمعروف بأدريانو لم يكن يحرك السحر الذي في حذائه سوى وقود الديزل الذي يسري في مجرى دمه.

وكمهاجم عملاق وصاحب قدم يسرى مُهلكة، أظهر أدريانو قدرة عنيفة في التعدي على المدافعين بأسلوب لعبه كما أذهل الجمهور بطريقة اندفاعه نحو مرمى الخصم ممراً الكرة من قدمه اليمنى إلى قدمه اليسرى قبل أن يرسل تسديداته بقدمه والتي توصف فقط بأنها مدفع كروي.

وُلد أدريانو في عالم من الفقر حيث تنتشر الأحياء الفقيرة المليئة بالجرائم، لقد أمضى أدريانو صغره في لعب كرة القدم في الشوارع وتعلّم القواعد التي تستطيع بها العيش وسط حي فيلا كروزيرو في مدينة ريو دي جانيرو حيث كانت منطقة حرب فعلياً بسبب الجريمة وعصابات المخدرات والفساد السائد في المجتمع، وبالتالي تركت هذه النشأة انطباعاً لديه مثل غيره بأن كرة القدم هي المخرج الوحيد من هذه الحياة وهي الطريق إلى الغنى، الشهرة، السيارات الفارهة والمكانة الاجتماعية الرفيعة.

وبالرجوع إلى المراتب المختلفة التي شغلها أدريانو مع نادي فلامينغو البرازيلي منذ أن كان بعمر 16 عاماً، فإن أدريانو قد شق طريقه إلى الفريق الأول للنادي خلال عامٍ واحدٍ، وكان عليه فقط الانتظار حتى مباراته الثانية ليسجل أول أهدافه في مرمى نادي ساو باولو، وبعد أن وصل لشباك المرمى عشر مرات في أربعة وعشرين ظهور خلال موسم 2000-2001 برهن أدريانو أن البرازيل أنجبت مهاجماً يافعاً متحمساً مزج السرعة المثيرة للاعجاب مع التوازن والقوة والغضب.

ثم أخيراً، ذاع صيت أدريانو بأنه يضاهي اللاعب الأسطوري رونالدو، فالعروض التي قدّمها أكسبته فرصة الانتقال إلى صفوف نادي إنتر ميلان لكنه دخل في صفقة وساطة لأنه كان مملوكاً لكل من ناديي بارما و فيورنتينا من عام 2002 إلى 2004 حيث عزّز طريقة لعبه بالأهداف الرائعة وعروضه الاندفاعية المليئة بالمهارة والقوة.

في نهاية موسم 2004، عاد أدريانو إلى إنتر ميلان بعد أن تحوّل على الفور إلى النجم الأكثر تألقاً فأشتهر ب (إمبراطور ميلانو)، فعندما يلعب بجدية كان لا يمكن إيقافه مطلقاً ونتيجة ذلك عقدت الصحافة الإيطالية مقارنات بينه وبين رونالدو بشكل مبالغ فيه فقد أطلقت عليه الصحف لقب (الظاهرة الثانية) إلا أن هذه المقارنات الضارة شكّلت ضغوطاً على أدريانو بما تُكسبه من شهرة زائدة والتي بدأت بتشتيته بعيداً عن أرضية الملعب.
بعد ذلك، حلّت مأساة وفاة والده ألمير بعمر الرابعة والأربعين. إن أي شخص له خبرة بسيطة بكرة القدم يعلم على أقل تقدير أن أدريانو لديه إحتمالية بأن يكون المهاجم البديل لرونالدو لكن بعد وفاة والده أصبح من الملاحظ تدمير أدريانو لنفسه بذلك السم الذي أنهى مسيرة الكثير من عظماء كرة القدم، وهو المشروبات الكحولية.
بالرغم من الاكتئاب الحاد وفترة الحزن التي أمضاها أدريانو بعيداً عن الملاعب لكن عند عودته للملاعب كانت العروض التي قدّمها لا توصف إلا بالممتازة فقد كان يلعب كرجل مهووس، فأثناء موسم 2005 شقّ البرازيلي طريقه وأصاب الشباك أربعين مرة في كل منافسات ذلك الموسم، لقد نتج عن هذا الأداء المتميز مفاوضات ومكافآت أُضيفت لعقده وصفقات تجارية ونمط حياة يتطلب مهارات حياتة أكثر من مهارات كرة القدم فقط لكن بسبب رحيل الشخص الذي رباه أصبحت حياة أدريانو مليئة بالرزائل التي تدمر الدافع والقدرة على إتخاذ القرار عند أي شخص جاعلةً اللاعب الساحر منعزلاً، يبدو أن كرة القدم أتت لأدريانو على طبق من ذهب لكن الانضباط هو الفن الذي لم يستطع إتقانه.


وبينما استمر سلوكه في التأثير على لعبه، أصبح أدريانو الملقب بالإمبراطور غير مستقر وبعيداً عن تشكيلة فريق الإنتر الأساسية، ففي عام 2007 وجد المهاجم نفسه مغمور في حالة من الاكتئاب الحاد ويصارع المواد المخدرة والكحوليات وفي نفس الوقت يصارع فكرة إنتقاله إلى ويست هام يونايتد ومانشيستر سيتي مع دفع غرامة مالية إلا أن مثل هذه الأخبار زادت من الشائعات التي تؤكد أن أدريانو في طريقه للرحيل عن الإنتر ميلان.


وبالنهاية، فقد أُرسل على سبيل الإعارة إلى نادي ساو باولو البرازيلي والذي تمكن معه من تسجيل 11 هدف في 19 ظهور له مع ذلك واصل الذهاب للملاهي الليلية بصورة أكبر عن السابق والغياب عن تدريبات الفريق ما جعل وسائل الإعلام والصحف تقول أن أدريانو عاد إلى البرازيل فقط من أجل الحفلات. في الحقيقة، يبدو أنه عندما نلقي نظرة أعمق داخل نفسية الرجل المحطم نرى هروبه إلى الأماكن التي يشعر فيها بالأمان حيث ذكريات والده والحياة الأكثر بساطة..إنه لم يعد أدريانو الذي أذهل العالم بالرغم من أنه لا زال مُحرزاً للأهداف وقوة ضاغطة على أرضية الملعب.


وبسبب العلاقة السيئة التي أصبحت بين هذا النجم وكرة القدم، اختار نادي إنتر ميلان التخلي عن أدريانو في عام 2009 بعد أن أصبح سلوكه خارجاً عن السيطرة وذلك قبل أن يوقّع عقد مع نادي فلامينغو في صفقة إنتقال حر لمدة عام واحد. وبالرغم من النجاح الكبير على أرض الملعب وتسجيله لتسعة عشر هدفاً للنادي الذي منحه طريق البداية لعالم كرة القدم المحترفة، واصل أدريانو أزماته مع مسؤولي النادي والصحافة والقانون وأصبح أدائه ولياقته أمرين يصعب تحملهما، ثم تتابعت الكارثة عندما أحضره نادي روما إلى العاصمة الإيطالية حيث دخل "الإمبراطور" في حالة من الانعزال فرضها على نفسه مما نتج عنها تشتته بين العديد من الأندية مثل نادي كورينثيانز ونادي فلامينغو (للمرة الثالثة) وأتليتيكو باراناينسي، في الحقيقة لا يمكننا القول بأن أدريانو لم يكن أمامه فرصة ثانية وثالثة ورابعة ليعيد بناء مسيرته بل والأهم ليعيد بناء حالته النفسية وثقته كشخص. فعلى كل حال، إن قصة أدريانو لا تتعلق بكرة القدم بقدر تعلقها بالصراع الداخلي للاعبي الكرة الذي يجب عليهم هزيمته.
فعندما كان يجب أن يصبح أدريانو المهاجم الرئيسي لمنتخب بلاده في بطولة كأس العالم عام 2006 إلا أنه آنذاك كان أشبه ما يكون بنسخة باهتة من الرجل الذي تألق في بطولة كأس أمريكا عام 2004 محرزاً أفضل سبعة أهداف في البطولة حيث كان ينبغي عليه أن يعيش حياة جميلة ويستمتع بثمار نجاحه لكن بدلاً من ذلك صار سجيناً لأخطاءه وقراراته السيئة.


في الواقع، إن لكل هدف أحرزه أدريانو بقدمه اليسرى المدفعية تكمن صورة لرجل ينتظر فقط أن يُستفز حتى يستطيع إطلاق قوته، فقتاله مع ماركو كانيرا يجسد الغضب الكامن داخل أدريانو، فبعد أن صفعه اللاعب البرتغالي على الوجه قام أدريانو بتسديد كلتا قبضتيه إلى وجه اللاعب البرتغالي موجهاً له لكمة مزدوجة مدمرة.
ومنذ أن رحل عن أوروبا وعاد إلى موطنه، لوحظ على أدريانو شرب الكحوليات في أحياء مدينة ريو، كذلك عودته مستسلماً إلى موطنه وهو في حالة من الفوضى لأمر محزن لكن ليس بالمفاجئ، ويُشاع أن كل ما يملكه في الوقت الحالي مدخرات مالية قليلة ينفقها على الحفلات الباهظة، والإيجار بدلاً من أن يكون مالكاً لعقار وأيضاً متورط في بيع المخدرات وصفقات السلاح والعلاقات الشخصية السيئة لكن بالنهاية يجب ألا يمحي هذا الواقع حقيقة هذا الرجل صاحب الموهبة التي أدهشتنا ولهذا سيظل للأبد هو الأمبراطور.




ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.